فخر الدين الرازي

6

تفسير الرازي

قوله تعالى * ( قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) * . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى أخبر عن السفينة أنها استوت على الجودي ، فهناك قد خرج نوح وقومه من السفينة لا محالة ، ثم إنهم نزلوا من ذلك الجبل إلى الأرض فقوله : * ( اهبط ) * يحتمل أن يكون أمراً بالخروج من السفينة إلى أرض الجبل وأن يكون أمراً بالهبوط من الجبل إلى الأرض المستوية . المسألة الثانية : أنه تعالى وعده عند الخروج بالسلامة أولاً ، ثم بالبركة ثانياً ، أما الوعد بالسلامة فيحتمل وجهين : الأول : أنه تعالى أخبر في الآية المتقدمة أن نوحاً عليه السلام تاب عن زلته وتضرع إلى الله تعالى بقوله : * ( وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ) * ( هود : 47 ) وهذا التضرع هو عين التضرع الذي حكاه الله تعالى عن آدم عليه السلام عند توبته من زلته وهو قوله : * ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) * ( الأعراف : 23 ) فكان نوح عليه السلام محتاجاً إلى أن بشره الله تعالى بالسلامة من التهديد والوعيد فلما قيل له : * ( يا نوح اهبط بسلام منا ) * حصل له الأمن من جميع المكاره المتعلقة بالدين . والثاني أن ذلك الغرق لما كان عاماً في جميع الأرض فعند ما خرج نوح عليه السلام من السفينة علم أنه ليس في الأرض شيء مما ينتفع به من النبات والحيوان ، فكان كالخائف في أنه كيف يعيش وكيف يدفع جميع الحاجات عن نفسه من المأكول والمشروب ، فلما قال الله تعالى : * ( اهبط بسلام منا ) * زال عنه ذلك الخوف ، لأن ذلك يدل على حصول السلامة من الآفات ولا يكون ذلك إلا مع الأمن وسعة الرزق ، ثم إنه تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده بالبركة هي عبارة عن الدوام والبقاء ، والثبات ، ونيل الأمل ، ومنه بروك الإبل ، ومنه البركة لثبوت الماء فيها ، ومنه تبارك وتعالى ، أي ثبت تعظيمه ، ثم اختلف المفسرون في تفسير هذا الثبات والبقاء . فالقول الأول : أنه تعالى صير نوحاً أبا البشر ، لأن جميع من بقي كانوا من نسله وعند هذا